اغتيال المرشد الإيراني يقود واشنطن لمأزقٍ مفتوح
- 2 مارس
- 2 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت
بدأت ملامح مرحلةٍ جديدة في الصراع الإقليمي _الدولي بالتشكل، مع تصاعد التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل تقارير إعلامية متداولة تتحدث عن تحركات دبلوماسية عاجلة لاحتواء التصعيد العسكري. غير أن القراءة العسكرية-الاستراتيجية الأعمق تكشف أن ما يجري يتجاوز مجرد مواجهة تقليدية، ليدخل في إطار صراع استنزاف واسع النطاق، يهدد بتغيير توازنات القوة في الشرق الأوسط وربما في النظام الدولي ككل.
في هذا السياق، يُنظر إلى قرار استهداف القيادة العليا في إيران, باعتباره نقطة التحول الكبرى التي أدخلت الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، في مأزقٍ استراتيجي معقد. فالتقدير الذي ساد لدى بعض دوائر القرار في واشنطن كان يقوم على فرضية أن ضرب رأس النظام سيؤدي إلى تفكك داخلي سريع، أو إلى شلل في منظومة القيادة والسيطرة، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المشهد الإيراني. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت عكس ذلك تماماً.
فشل حسابات الردع السريع
بدلاً من انهيار منظومة الدولة، أدى الحدث إلى حالة تعبئة وطنية داخل إيران، عززت تماسك البنية السياسية والعسكرية. وفي العقيدة العسكرية، يُعد هذا النمط من “التوحيد تحت التهديد الخارجي” من أكثر النتائج خطورة على الطرف المهاجم، لأنه يحول الضربة التكتيكية إلى خسارة استراتيجية طويلة المدى.
كما كشفت المواجهة عن تحدٍ جوهري أمام المنظومات الدفاعية الغربية، يتمثل في معادلة الكلفة مقابل الفعالية. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالتفوق التكنولوجي وحده، بل بقدرة الطرف الأقل كلفة على إغراق الدفاعات بوسائل هجومية كثيفة ومنخفضة السعر نسبياً. هذه المعادلة تضع واشنطن أمام استنزافٍ مالي وعسكري لا يمكن تحمله لفترة طويلة.
اتساع مسرح العمليات وخطر الشلل الإقليمي
الجانب الأخطر في المشهد لا يكمن في الضربات المباشرة فحسب، بل في انتقال الصراع إلى مستوى تعطيل البنية التحتية الإقليمية الحيوية. فإغلاق مسارات الملاحة الجوية، وتهديد طرق الطاقة، وإرباك الأسواق المالية العالمية، كلها أدوات ضمن ما يُعرف عسكرياً باستراتيجية “الشلل المنظومي”، التي تستهدف الاقتصاد قبل الجيوش.
ومضيق هرمز، باعتباره شريان الطاقة العالمي، يمثل نقطة الضغط الأكثر حساسية. أي اضطراب مستمر فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما يفسر القلق الغربي المتزايد من استمرار المواجهة دون أفق سياسي واضح.
مأزق القوة العظمى
المعضلة التي تواجهها واشنطن اليوم — وفق هذا التحليل — ليست فقط عسكرية، بل جيوسياسية شاملة. فاستنزاف القدرات في مواجهة مفتوحة مع إيران يعني تقليص هامش المناورة الاستراتيجية أمام منافسين كبار مثل الصين وروسيا. وفي نظرية توازن القوى، يُعد الانخراط في صراع طويل مع قوة إقليمية خطأً كلاسيكياً للقوى العظمى عندما تكون في مرحلة تنافس دولي متعدد الأقطاب.
لهذا السبب، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية ومحاولات التهدئة — إن وُجدت — ليس بوصفها تراجعاً تكتيكياً فحسب، بل باعتبارها محاولة للخروج من مستنقعٍ بدأ يتضح أن كلفته الاستراتيجية قد تتجاوز المكاسب السياسية المتوقعة.
ما تكشفه هذه المرحلة هو حقيقة راسخة في تاريخ الحروب: اغتيال القيادات أو استخدام القوة المفرطة لا يحسم دائماً الصراعات، خصوصاً عندما يتحول النزاع إلى حرب استنزاف متعددة الأبعاد. وفي مثل هذه الحروب، لا ينتصر الطرف الأقوى بالضرورة، بل الطرف الأكثر قدرة على الصمود وإدارة الزمن.
وبينما يستمر التصعيد، يبقى السؤال الاهم هو (هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة ضبط المعادلة قبل أن يتحول الصراع إلى نقطة تحول كبرى في توازنات الشرق الأوسط والنظام الدولي؟) أم أن قرار الضربة الأولى كان الشرارة التي أدخلت الجميع في مواجهة أطول وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً؟
انتهى.






