العراق يدخل مرحلة وباء رقمي!
- قبل 4 أيام
- 4 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت خبير اليونسكو للاتصال والمعلومات
بحسب المقاييس الاولية لدالة الرصد المرتبطة بمشروع "تواصل اجتماعي من اجل السلام" في العراق، يدخل العراق مقدمة وباء رقمي في سياق الحرب المفتوحة التي يعيشها، فخلف ضجيج الحرب الدائرة في الشرق الاوسط، وبعيدًا عن عناوين الصواريخ والمواجهات العسكرية، تتشكل جبهة أخرى أكثر هدوءًا — وأكثر خطورة. إنها جبهة لا تستهدف الأرض، بل الإدراك؛ ولا تضرب البنية التحتية فقط، بل الثقة الشعبية.
هذه هي الجبهة الرقمية التي بات العراق يقف في قلبها، حيث لم يعد السلاح هو الرصاصة، بل السردية!.
تشير بيانات الرصد الأخيرة لمنصة المشروع المفتوحة، إلى حجم هذا التحول. ففي موجة واحدة فقط، تم توثيق أكثر من 490 بلاغًا لمحتوى ضار يمثل صفحات وحسابات مؤثرة في العراق، يتابعها ما يقارب 20 مليون مستخدم — الغالبية منهم داخل العراق خلال يومين فقط!.
هذا ليس ضجيجًا رقميًا عابرًا، ولا تعبيرًا تلقائيًا عن الرأي العام. إنه وبشكل متزايد، نشاط منظم يحمل سمات الحرب المعلوماتية عبر تحريك جمهور المستخدمين البالغ تعداده 38 مليون، ويمتاز بامية رقمية ومعلوماتية تجعله ينخرط بعاطفة وتفاعل مع المحتوى الموجه عن قصد او عن غير قصد .
من التضليل إلى هندسة السرديات
ما يشهده العراق لم يعد مجرد انتشار للمعلومات المضللة، بل انتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا هي هندسة السرديات. اذ لم يعد الهدف إقناع المتلقي بحقيقة معينة، بل إغراقه بسرديات متكررة، متزامنة، ومتشابكة، تُبث عبر شبكات واسعة من الحسابات والصفحات العامة والشخصية، بحيث تبدو وكأنها تعبير جماعي طبيعي، بينما هي في الواقع إنتاج منسق وموجه.
وتتمحور هذه السرديات حول ثلاث روافع أساسية:
سردية الدولة العاجزة: تضخيم الأزمات، وتقديم المؤسسات بوصفها منهارة أو غير قادرة على الفعل.
سردية الانهيار المالي: استهداف المصارف والنظام المالي وقطاع الاعمال، بما يقوض الثقة العامة ويخلق ذعرًا اقتصاديًا.
سردية التخوين المتبادل: تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، وإعادة إحياء الانقسامات الطائفية والدينية.
هذه ليست مجرد روايات متنافسة، بل أدوات لإعادة تشكيل الواقع نفسه والدفع نحو مرحلة من الصراع على ارض الواقع. في وقت يغرق فيه قادة المشهد السياسي في ازمة تشكيل الحكومة الجديدة وكسر الاستحقاقات الدستورية مع الضغط الاقتصادي المتزايد على البنية الحكومية.
الهوية كأداة تعبئة
تكشف الأرقام المرصودة ليومين فقط عن طبيعة هذا التحول. إذ إن 43.8% من المحتوى يتضمن خطاب كراهية وتحريض مباشر، بينما يرتبط 29.5% بسرديات دينية أو مذهبية أو إثنية.
في هذا السياق، تم عن سابق قصد اخراج الهوية من كونها إطار للانتماء، وتحويلها إلى وسيلة تعبئة واستقطاب، تُستدعى خلال هذه الجائحة الرقمية الذاكرة التاريخية، وتُعاد صياغة الرموز الدينية بعناوين السب والشتم والاهانة، وتُفرض ثنائيات حادة: “معنا أو ضدنا”، “ولاء أو خيانة”.
إنها عودة لممارسة الضغط لترسيخ مضامين الانقسام عبر السياسة والهوية، لكن في بيئة رقمية تُضخم الانقسام وتسرّع انتشاره.
استهداف النساء: إسكات الفضاء العام
واحدة من أكثر المؤشرات دلالة في هذا المشهد هي أن 47% من الحالات المرصودة تستهدف النساء والفتيات.
هذا الاستهداف لا يقتصر على الإساءة، بل يتخذ أشكالًا ممنهجة:
كشف البيانات الشخصية
التهديد المباشر
التشهير الأخلاقي
الضغط لإجبار الضحايا على الانسحاب أو الصمت
إنه نمط من العنف الرقمي الجندري، لا يهدف فقط إلى إيذاء الأفراد، بل إلى إعادة تشكيل المجال العام، عبر إقصاء الأصوات النسوية وتقليص مساحة المشاركة.
الذكاء الاصطناعي… حين يصبح الزيف أكثر إقناعًا
في قلب هذا التحول، يظهر عامل جديد يزيد المشهد تعقيدًا: الذكاء الاصطناعي التوليدي.
تشير البيانات إلى أن 18.8% من الحالات تتضمن محتوى مفبركً ابشكل كامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي — من فيديوهات مزيفة إلى تسجيلات صوتية وصور مركبة.
في هذه البيئة، لم يعد التحدي هو التحقق من صحة المعلومات، بل القدرة على تمييز الحقيقة من الزيف أساسًا. فالسرعة التي ينتشر بها المحتوى تفوق قدرة المؤسسات على التحقق، ما يجعل الانطباع الأول هو الأكثر تأثيرًا، حتى لو كان خاطئًا.
حين تتحول السرديات إلى مخاطر ميدانية
ان الخطورة الحقيقية لا تكمن في المحتوى نفسه، بل في قدرته على العبور إلى الواقع.
فالدعوات إلى العنف، ونشر البيانات الشخصية، وتضخيم سيناريوهات الانهيار، لم تعد تبقى ضمن حدود الشاشة. بل تسهم في خلق بيئة نفسية واجتماعية قابلة للانفجار.
ومن بين المؤشرات المقلقة، تصاعد ما يمكن وصفه بـ سرديات التسلح المدني، حيث تنتشر دعوات غير مباشرة لاقتناء السلاح والاستعداد لسيناريوهات عدم الاستقرار.في سياق إقليمي متوتر، لا يمكن قراءة هذه الدعوات كخطاب عابر، بل كإشارات إنذار مبكر.
أزمة سيادة رقمية
في جوهر هذه الظاهرة يكمن خلل أعمق: ضعف السيادة الرقمية.
فالعراق، رغم اتساع قاعدته الرقمية، لا يمتلك بعد بنية متكاملة لرصد أو تحليل أو مواجهة العمليات المعلوماتية المعقدة.وفي ظل اعتماد واسع على منصات خارجية، وضعف أدوات التتبع، يصبح الفضاء الرقمي مفتوحًا أمام التأثيرات الخارجية والداخلية على حد سواء.
ما بعد إدارة المحتوى: نحو مقاربة استراتيجية
لا يمكن التعامل مع هذا التحدي بمنطق “إدارة المحتوى” فقط. فالقضية لم تعد تقنية بحتة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بـ الاستقرار السياسي والاجتماعي.
المطلوب هو انتقال من رد الفعل إلى الفعل، عبر:
تطوير قدرات الرصد والتحليل
دعم المجتمع المدني في تتبع الاتجاهات الرقمية
تعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية
الضغط على المنصات لتحسين استجابتها في السياقات المحلية
لكن الأهم هو الاعتراف بأن:
"الفضاء الرقمي لم يعد هامشًا، بل أصبح أحد ميادين الصراع الرئيسية".
المعركة على الثقة
من الظاهر عبر رصد منصات التواصل الاجتماعي في العراق ان بدايات الوباء الرقمي قد اخترقت مناعة الثقة العامة، وهي بداية تفشي الوباء، ويمكن القول بان الفرصة سانحة للتعامل معه حتى فترة قليلة من الزمن قد لا تتجاوز شهرا ان كنا متفائلين.
الخطر لا يكمن فقط في انتشار المعلومات المضللة، بل في ما تخلقه من تآكل تدريجي للثقة بين المواطن والدولة، بين مكونات المجتمع، وبين الحقيقة والواقع.
وفي عالم تسبق فيه السرديات الوقائع، قد لا تكون أولى ادوات الأزمة رصاصة…بل منشورًا.
يقف العراق اليوم أمام تحدٍ أمني أو سياسي واختبار حقيقي لقدرته على حماية فضائه المعرفي.
فإذا كانت الحدود تُحمى بالجيوش، فإن الوعي الجمعي يحتاج إلى منظومة حماية لا تقل صرامة. لأن السرديات، حين تُترك دون مواجهة، لا تعكس الواقع فقط — بل تعيد تشكيله.
انتهى.






