top of page

حين يهتز قطاع المصارف على صدى التصريحات

  • 16 مارس
  • 3 دقيقة قراءة

كتب ضياء السراي


كشف أحد مدراء المصارف العاملة في العراق شهادة صادمة حين قال إن تصريحًا لنائب برلماني في برنامج حواري قبل عدة أشهر أدى إلى اندفاع أكثر من ثمانين ألف مودع لسحب أموالهم من مصرفين خلال فترة قصيرة. قد يبدو هذا الحدث للوهلة الأولى مجرد ضجيج إعلامي عابر، لكنه في الحقيقة يعكس مشكلة أعمق بكثير: هشاشة الثقة في النظام المصرفي العراقي، إلى درجة يمكن معها لكلمات تُقال في برنامج تلفزيوني أن تهز استقرار السوق المالي.

النظام المصرفي في أي دولة لا يقوم على النقد وحده، بل على الثقة قبل كل شيء. فعندما يضع المواطن أمواله في المصرف، فإنه لا يودع أوراقًا نقدية فحسب، بل يودع ثقة بمؤسسة مالية وباقتصاد الدولة وباستقرارها. ولهذا تُعدّ الشائعات أو التصريحات غير المسؤولة حول إفلاس المصارف من أخطر ما يمكن أن يصيب النظام المالي، لأنها قد تتحول بسرعة إلى ما يعرف عالميًا بظاهرة الذعر المصرفي (Bank Run)، عندما يسارع المودعون لسحب أموالهم خوفًا من الانهيار، حتى لو كان المصرف سليمًا ماليًا.

في الدول ذات الاقتصادات المستقرة، تُعامل المعلومات المتعلقة بالقطاع المصرفي بحساسية شديدة. فالتصريحات السياسية أو الإعلامية التي قد تثير الذعر المالي تخضع في كثير من الأحيان لضوابط تشريعية وتنظيمية ومدونات سلوك ومواثيق شرف، لأن الاستقرار المصرفي يعد جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني.

لكن في العراق، مع شديد الأسف، تبدو هذه القاعدة معكوسة. فالتصريحات غير الدقيقة، أو التوقعات، أو حتى حملات التشهير الإعلامي ضد المصارف أصبحت أدوات يستخدمها بعض السياسيين أو الجهات النافذة في صراعات النفوذ أو في عمليات الابتزاز السياسي والاقتصادي.

تكمن المشكلة في أن الاقتصاد العراقي يدخل هذه المعركة من موقع ضعف أصلاً. فالعراق يعد من الدول ذات أدنى معدلات الشمول المالي في المنطقة. تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 30% فقط من البالغين في العراق يمتلكون حسابًا مصرفيًا، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 79%. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يبلغ المتوسط نحو 53%. هذه الأرقام تعني أن غالبية المجتمع ما يزال خارج النظام المصرفي، ويعتمد على النقد المباشر في التعاملات اليومية.

ولا يقتصر الخلل على ضعف انتشار الحسابات المصرفية فحسب، بل يمتد إلى هيكل الودائع نفسه. فالمصارف الحكومية ما تزال تستحوذ على أكثر من 85% من إجمالي الودائع في العراق، ما يجعل القطاع المصرفي شديد التركز وقليل التنوع. وفي مثل هذه البيئة، يمكن لأي إشاعة أو تصريح سياسي أن يخلق موجة ذعر تتجاوز مصرفًا واحدًا لتؤثر في صورة النظام المالي كله.

الأخطر من ذلك أن ضعف الثقة بالمصارف لا يضر بالقطاع المالي فقط، بل ينعكس مباشرة على الاقتصاد الحقيقي. فالمصارف هي المحرك الأساسي للاستثمار، لأنها تحول المدخرات إلى قروض وتمويل للمشروعات. لكن في العراق ما تزال نسبة التمويل المصرفي للقطاع الخاص منخفضة للغاية، إذ لا تتجاوز 12–14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة متواضعة مقارنة بالاقتصادات النامية الأخرى. وعندما يفضل المواطن الاحتفاظ بأمواله في المنزل بدلاً من المصرف، فإن الاقتصاد يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على تمويل الإنتاج والنمو.

المفارقة المؤلمة أن الحملات التي تهز الثقة بالمصارف كثيرًا ما تصدر من مستويات سياسية عليا، أو تترافق مع صراعات مصالح بين أطراف نافذة، دون اكتراث حقيقي بما يترتب على ذلك من أضرار للمودعين وللاقتصاد الوطني. فالمودع البسيط هو أول من يدفع الثمن، بينما يتعرض القطاع الخاص لخسارة فرص التمويل، ويزداد اعتماد الاقتصاد على الدولة بدل السوق.

لكن المسؤولية لا تقع على السياسيين وحدهم. فالمؤسسات المعنية بالسياسة النقدية والمالية، إلى جانب المصارف الحكومية والأهلية، تتحمل جزءًا من المسؤولية بسبب ضعف إدارة الاتصال المالي مع الجمهور. ففي العديد من الدول توجد بروتوكولات واضحة للتعامل مع الشائعات المالية، تشمل الاستجابة السريعة، والشفافية في الإفصاح، والتواصل المباشر مع الرأي العام لطمأنة المودعين. أما في العراق، فغالبًا ما تتأخر الردود أو تأتي متفرقة، مما يسمح للشائعات بالانتشار.

إن حماية النظام المصرفي ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية سيادة اقتصادية. فالدولة التي تسمح بتسييس الثقة المالية أو استخدام المصارف كساحة للصراع السياسي تضع اقتصادها كله في دائرة الخطر. ولهذا يحتاج العراق إلى منظومة متكاملة لحماية الاستقرار المصرفي، تبدأ بوضع قواعد واضحة للتصريحات المتعلقة بالقطاع المالي، وتمر بتعزيز الشفافية والرقابة، وتنتهي بإصلاحات عميقة تعيد بناء ثقة المواطنين بالمصارف.

فالاقتصاد الذي يخاف فيه المواطن من وضع أمواله في المصرف لا يمكن أن ينمو. والثقة التي تُهدم بكلمة على شاشة تلفزيون قد تحتاج سنوات طويلة لتعود.

©2025 by IRAQI-BAROMETER. 

bottom of page