top of page

قراءة تحليلية لمسودة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات العراقي

  • 7 يوليو
  • 9 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت خبير اليونسكو للاتصالات والمعلومات

قراءة تحليلية موسعة في مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في العراق



تأتي مسودة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في سياق حاجة عراقية حقيقية إلى إطار قانوني حديث يعالج جرائم الاختراق، الابتزاز الإلكتروني، الاحتيال المالي الرقمي، انتحال الحسابات، الاعتداء على البيانات، وتعطيل الأنظمة، فضلاً عن تنظيم حجية الأدلة الرقمية وإجراءات جمعها وحفظها. لكن قراءة المسودة الاخيرة 2026، وهي تقع في 16 صفحة، تكشف أنها لا تقف عند حدود الجرائم المعلوماتية بالمعنى الفني الدقيق، بل تتوسع لتضم أبواباً تتصل بالأمن الوطني، الآداب العامة، السمعة، القذف والسب، المنصات الرقمية، النشر والإعلام، وغسل الأموال والإرهاب، بما يجعلها أقرب إلى قانون مركب ومتداخل لا إلى قانون متخصص بالجرائم التقنية.


هذه الإشكالية لا تتعلق فقط بالصياغة، بل بجوهر فلسفة التشريع. فالقانون الرصين في المجال الرقمي يجب أن يميز بين الجريمة التقنية الصرفة، مثل الاختراق وتعطيل الأنظمة وسرقة البيانات، وبين الجريمة التي تُرتكب بواسطة التقنية، مثل الاحتيال أو الابتزاز أو التهديد، وبين التعبير الرقمي محل الجدل، مثل الرأي أو النقد أو النشر الصحفي أو المحتوى السياسي والاجتماعي. الخلط بين هذه المستويات يجعل القانون عرضة للتوسع في التجريم، ويحوّله من أداة لحماية المجتمع الرقمي إلى أداة قد تمس حرية التعبير والصحافة والبحث والوصول إلى المعلومات.



أولاً: التقييم العام للمسودة


المسودة تتضمن عناصر إيجابية قليلة، في مقدمتها الاعتراف بالأدلة الرقمية، تنظيم بعض إجراءات التفتيش والتحليل، اشتراط الأمر القضائي في بعض حالات التحقيق، النص على إنشاء مركز وطني للأدلة الرقمية، ومعالجة جرائم باتت مؤثرة جداً في العراق مثل الابتزاز الإلكتروني والاحتيال وانتحال الحسابات.


لكن هذه الإيجابيات تقابلها مشكلات جوهرية، أهمها أن المسودة تستخدم مفردات واسعة وفضفاضة، وتضع عقوبات مشددة أحياناً لا تتناسب مع طبيعة الفعل، وتخلط بين الأفعال التقنية الضارة وبين المحتوى والتعبير، ولا تقدم ضمانات كافية لحماية الخصوصية وحرية الصحافة والبحث الأمني المشروع. كما أن عدداً من التعريفات والإجراءات يبدو قريباً من نصوص اتفاقيات أو مسودات سابقة، من دون مذكرة إيضاحية تبين مصادر الاقتباس التشريعي أو فلسفته.


المعيار الصحيح لتقييم هذا النوع من القوانين يجب أن يقوم على خمسة أسئلة: هل الفعل المجرّم محدد بدقة؟ هل توجد نية جرمية واضحة؟ هل يوجد ضرر تقني أو قانوني قابل للإثبات؟ هل العقوبة متناسبة؟ وهل توجد ضمانات قضائية وحقوقية كافية؟ إذا لم تجب المادة القانونية عن هذه الأسئلة، فإنها ستفتح الباب أمام التأويل الواسع.


ثانياً: مشكلة التعريفات


المادة الأولى في أي قانون مماثل ليست مادة شكلية، بل هي بوابة القانون كله. فكلما كانت التعريفات دقيقة ومحكمة، قلت مخاطر التوسع في التجريم. في المسودة الحالية، توجد تعريفات واسعة لبعض المصطلحات مثل الحاسوب، الشبكة، البيانات، تقنية المعلومات، نظام المعلومات، الموقع، مزود الخدمة، بيانات المرور، الالتقاط، وغيرها. هذا النمط من التعريفات قريب من لغة الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي تبدأ أيضاً بتعريفات تقنية مشابهة مثل تقنية المعلومات، مزود الخدمة، البيانات، نظام المعلومات، الشبكة، الموقع، والالتقاط، وهو اقتباس من اتفاقية غير معترف بها دوليا لدول تعد قامعة للحريات.


ان الإشكال ليس في الاستفادة من الاتفاقيات، بل في نقل تعريفات قديمة نسبياً إلى بيئة رقمية تغيرت جذرياً. فالتشريع الحديث يجب أن يستوعب الحوسبة السحابية، الذكاء الاصطناعي، أنظمة التوصية الخوارزمية، المحافظ الإلكترونية، البيانات البيومترية، التشفير، الهوية الرقمية، سجلات الدخول، واجهات برمجة التطبيقات، وخدمات المنصات العابرة للحدود.


لذلك، ينبغي إعادة بناء باب التعريفات وفق أربع طبقات: تعريفات تقنية صرفة مثل النظام المعلوماتي والبيانات وبيانات المرور؛ تعريفات إجرائية مثل الدليل الرقمي وسلسلة الحيازة والبصمة الرقمية؛ تعريفات مرتبطة بمزودي الخدمة والمنصات؛ وتعريفات مرتبطة بالضرر، مثل الدخول غير المشروع، التعطيل، الاعتراض، الإتلاف، التلاعب، والانتحال.


الأهم أن تُحذف أو تُقيّد أي تعريفات تسمح بتجريم السلوك لمجرد استخدام وسيلة رقمية. فاستعمال الحاسوب أو الحساب أو المنصة لا يجعل الفعل جريمة بذاته؛ الجريمة تكون في الاختراق، الاحتيال، الابتزاز، التهديد، أو الضرر المحدد.



ثالثاً: الجرائم التقنية الصرفة


هذا هو الجزء الذي يجب أن يكون قلب القانون. ويشمل الدخول غير المشروع إلى نظام معلوماتي، تجاوز صلاحيات الدخول، تعطيل النظام، إتلاف البيانات، اعتراض الاتصالات أو البيانات، استخدام برمجيات خبيثة، الاستيلاء على كلمات المرور، التلاعب بالبيانات، والاحتيال الإلكتروني.


في هذا الجانب، يمكن للمسودة أن تستفيد من اتفاقية بودابست للجرائم الإلكترونية، لأنها تركز على جرائم محددة فنياً مثل الدخول غير المشروع، الاعتراض غير المشروع، الاعتداء على سلامة البيانات، الاعتداء على سلامة الأنظمة، إساءة استخدام الأدوات، التزوير المرتبط بالحاسوب، والاحتيال المرتبط بالحاسوب.


لكن المسودة العراقية تحتاج إلى ضبط عناصر الجريمة. فمثلاً لا يكفي القول “دخل إلى نظام”؛ يجب تحديد أن الدخول كان عمداً ومن دون حق. ولا يكفي القول “استخدم برنامجاً”؛ بل يجب أن يكون البرنامج مصمماً أو مستخدماً بقصد ارتكاب جريمة محددة. ولا يكفي القول “حاز أداة اختراق”؛ لأن حيازة أدوات اختبار الاختراق قد تكون مشروعة لدى الباحثين الأمنيين، الجامعات، المختبرات الجنائية، فرق الاستجابة، وشركات الأمن السيبراني.


اتفاقية بودابست نفسها تشترط في مادة إساءة استخدام الأجهزة وجود نية استخدام الأداة لارتكاب جرائم محددة، ولا تجرّم الأدوات التقنية لذاتها. لذلك يجب أن تتضمن المسودة العراقية استثناء صريحاً يقول إن حيازة أو استخدام أدوات الاختبار والتحليل والحماية لا يُعد جريمة متى تم ضمن تفويض أو غرض مشروع.


رابعاً: جرائم المحتوى والتعبير


أخطر نصوص المسودة الحالية هي إدخال جرائم المحتوى والتعبير داخل قانون الجرائم المعلوماتية بصياغات عامة. عبارات مثل “إثارة النعرات”، “الفتن”، “إضعاف الثقة”، “الآداب العامة”، “السب والقذف”، “التشهير”، “المساس بالنظام العام”، و“نشر معلومات شخصية” قد تكون لها ضرورة قانونية في سياقات محددة، لكنها إذا بقيت عامة ستسمح بتجريم النقد أو الصحافة أو الرأي أو التحقيقات الاستقصائية أو البلاغات ذات المصلحة العامة.


الدستور العراقي يضمن في المادة 38 حرية التعبير بكل الوسائل وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر، مع عدم الإخلال بالنظام العام والآداب. لكن عبارة النظام العام والآداب لا ينبغي أن تتحول إلى باب مفتوح للتقييد، بل يجب أن تُفهم ضمن معايير الضرورة والتناسب والوضوح القانوني. كذلك، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية تؤكد ضرورة أن تخضع إجراءات مكافحة الجريمة السيبرانية لضمانات متصلة بحقوق الإنسان والتناسب والرقابة القضائية أو المستقلة.


لذلك يجب أن تُفصل مواد المحتوى عن الجرائم التقنية، أو تُحذف من قانون الجرائم المعلوماتية وتحال إلى قوانين متخصصة. وإذا أُبقيت، فيجب أن تُربط بأربعة شروط صارمة: قصد جنائي واضح، ضرر محدد، علاقة سببية مباشرة، واحتمال جدي ووشيك لوقوع الضرر. أما النقد السياسي، النشر الصحفي، كشف الفساد، الرأي، السخرية، والتحليل، فيجب أن تُحمى بنص صريح.


خامساً: القذف والسب والتشهير


إعادة إدخال القذف والسب والتشهير إلى الفضاء الرقمي بعقوبات سالبة للحرية يمثل اتجاهاً إشكالياً. صحيح أن السمعة حق واجب الحماية، لكن التجريم السالب للحرية في قضايا التعبير يخلق أثراً رادعاً خطيراً على الصحفيين والمدونين والناشطين. التجربة الأردنية الحديثة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 أثارت انتقادات حقوقية واسعة، حيث قالت منظمة العفو الدولية إن القانون الاردني استُخدم لاستهداف صحفيين ونشطاء وآخرين بسبب تعبيرهم على الإنترنت.


الحل الأفضل هو أن تُحال قضايا القذف والسب العادية إلى مسار مدني وتعويضات، لا إلى الحبس، إلا إذا اقترنت بابتزاز، تهديد، تحريض مباشر على العنف، نشر غير رضائي لصور حميمة، أو حملة منظمة تستهدف السلامة الشخصية. أما النشر المتعلق بشخصيات عامة أو مسؤولين أو قضايا فساد أو مصلحة عامة فيجب أن يتمتع بحماية أعلى.


سادساً: الخصوصية والحياة الخاصة


المسودة تتناول الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، وهذا مهم جداً في العراق بسبب تصاعد الابتزاز، نشر الصور، التسجيلات، التشهير، والمحتوى غير الرضائي. لكن النص يجب أن يميز بين حماية الخصوصية وبين منع النشر ذي المصلحة العامة.


المعيار المقترح أن تُجرّم الأفعال الآتية بوضوح: الحصول غير المشروع على صور أو بيانات شخصية؛ نشر صور أو تسجيلات خاصة من دون رضا؛ التهديد بنشر محتوى خاص؛ استخدام صور أو بيانات شخصية للابتزاز؛ إنتاج أو نشر مواد مفبركة تمس السمعة أو السلامة، خاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ واستهداف النساء والفتيات عبر التشهير أو الابتزاز أو العنف الرقمي.


في المقابل، يجب ألا يُجرّم نشر معلومات صحيحة تتعلق بشأن عام، مثل كشف فساد أو انتهاك أو إساءة استعمال سلطة، إذا تم النشر بحسن نية وبحدود المصلحة العامة. عدم وجود هذا الاستثناء سيجعل مادة الخصوصية قابلة للاستخدام ضد الصحافة الاستقصائية والتبليغ عن الفساد.



سابعاً: الأدلة الرقمية وإجراءات التحقيق


إحدى نقاط في المسودة أنها تذكر إجراءات جمع الأدلة الرقمية وتفتيش الأجهزة والنسخ والتحليل. لكن الصياغة تبدو تقليدية ولا تكفي وحدها لبناء منظومة إثبات رقمية حديثة. الدليل الرقمي هش بطبيعته، وقد يتغير بمجرد فتح الجهاز أو نسخه بطريقة غير علمية. لذلك لا يكفي أن ينص القانون على “نسخ البيانات” أو “تحليلها”، بل يجب أن يضع نظاماً كاملاً لسلسلة الحيازة.


معيار ISO/IEC 27037 يحدد أن التعامل مع الدليل الرقمي يجب أن يمر بعمليات التعرف، الجمع، الاكتساب، والحفظ بطريقة تحافظ على قيمته الإثباتية. بناء على ذلك، يجب أن ينص القانون العراقي صراحة على: توثيق وقت ومكان ضبط الدليل، اسم القائم بالإجراء، وصف الجهاز أو الحساب، أخذ بصمة رقمية Hash قبل التحليل وبعده، عدم العمل على النسخة الأصلية إلا للضرورة، حفظ سجل الإجراءات، تمكين الدفاع من فحص نسخة طبق الأصل، واعتماد المختبرات والخبراء وفق معايير فنية.


كما ينبغي أن تكون أوامر التفتيش الرقمي محددة النطاق. فلا يجوز أن يتحول أمر تفتيش هاتف أو حاسوب إلى تفتيش شامل لكل الحياة الرقمية للشخص. يجب تحديد الحسابات أو الأجهزة أو البيانات أو الفترة الزمنية المطلوبة، وربط التفتيش بالجريمة محل التحقيق. ويجب أن تخضع إجراءات الاعتراض والرصد والمراقبة لمعيار أعلى من الرقابة القضائية، لأنها تمس الخصوصية والاتصالات.



ثامناً: المركز الوطني للأدلة الرقمية


إنشاء مركز وطني للأدلة الرقمية فكرة مهمة إذا صُممت بطريقة مستقلة ومهنية. العراق يحتاج إلى مؤسسة قادرة على فحص الأدلة الرقمية، تدريب المحققين، وضع المعايير، اعتماد المختبرات، ومساندة القضاء. لكن الخطر أن يتحول المركز إلى جهة أمنية مغلقة تصدر تقارير لا تقبل النقاش.


الأصل أن يكون المركز فنياً لا اتهامياً. يجب أن تكون تقاريره قابلة للطعن والفحص المضاد، وأن يُتاح للدفاع طلب خبير مقابل أو إعادة الفحص. كما يجب أن تخضع أعماله لمعايير الاعتماد والجودة، وأن تُفصل مهامه الفنية عن مهام التحري والاتهام. والأفضل أن يرتبط المركز بمنظومة قضائية أو هيئة مستقلة ذات ضمانات، لا أن يكون أداة تنفيذية فقط.


ينبغي أيضاً أن يتضمن القانون قواعد لحماية البيانات التي تصل إلى المركز، لأن المركز سيتعامل مع هواتف، حسابات، رسائل، صور، محادثات، بيانات مالية، ومواد شديدة الحساسية. أي تسريب من هذا المركز سيكون انتهاكاً مضاعفاً: انتهاكاً للخصوصية، وانتهاكاً للعدالة.


تاسعاً: إلزام المنصات بفتح مكتب داخل العراق


الأحكام الختامية التي تلزم منصات التواصل ذات عدد كبير من المشتركين بفتح مكتب داخل العراق تعبّر عن رغبة مفهومة في إخضاع المنصات للمساءلة المحلية. لكن من الناحية العملية، هذا النوع من النصوص قد يؤدي إلى نتائج عكسية: امتناع بعض المنصات عن الامتثال، تعقيد العلاقة مع الشركات العالمية، أو استخدام الحجب كوسيلة ضغط.


الأفضل هو صياغة نموذج أكثر واقعية يقوم على: تعيين نقطة امتثال قانونية، قناة رسمية لتلقي أوامر قضائية، مدد واضحة للاستجابة في حالات الطوارئ، تقارير شفافية، آلية اعتراض، حماية بيانات المستخدمين، وتدرج في الجزاءات. يجب ألا يُترك قرار الحجب أو التعطيل لعبارات عامة، بل يجب أن يكون بأمر قضائي مسبب ومتناسب ومحدود المدة.


قانون مصر رقم 175 لسنة 2018 يقدم مثالاً إقليمياً على قانون يجمع بين الجرائم التقنية والتزامات مزودي الخدمة والحجب، وقد وثقه WIPO باعتباره قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في مصر. لكن الاستفادة من التجارب الإقليمية يجب أن تكون نقدية، لأن الجمع بين مكافحة الجريمة وتنظيم المنصات والحجب في قانون واحد قد يؤدي إلى توسيع السلطات على حساب الحقوق.



عاشراً: المقارنة الدولية


من حيث البناء الفني، الأقرب عالمياً للمسودة هو اتفاقية بودابست، لكنها أكثر انضباطاً لأنها تركّز على أفعال محددة: الدخول غير المشروع، الاعتراض، الاعتداء على البيانات والأنظمة، إساءة استخدام الأدوات، التزوير، الاحتيال، وبعض جرائم المحتوى المحددة. أما المسودة العراقية فتتجاوز هذا النطاق كثيراً وتدخل في أبواب الأمن الوطني والآداب والسمعة والمنصات والمحتوى.


أما عربياً، فالأقرب لغوياً ومفاهيمياً لمسودة القانون العراقي هو الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، لا سيما في باب التعريفات وبعض الجرائم والإجراءات. الاتفاقية تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول العربية في مكافحة جرائم تقنية المعلومات وحماية أمن الدول ومصالحها وسلامة مجتمعاتها وأفرادها. وهذا يفسر حضور لغة أمنية واسعة في النصوص العربية المتأثرة بها، لكن العراق يحتاج اليوم إلى قانون أكثر توازناً مع الحقوق الدستورية.


أما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية فهي معيار أحدث، إذ تعرض نصاً دولياً جديداً للتعاون ومكافحة جرائم ترتكب بواسطة نظم تقنية المعلومات والاتصالات، لكنها تضع أهمية للضمانات وحقوق الإنسان في سياق الإجراءات والصلاحيات. وبالمقارنة معها، تبدو المسودة العراقية بحاجة إلى تقوية باب الضمانات، لا توسيع باب السلطات فقط.


حادي عشر: الاقتباس والتشابه النصي


لا يصح قانونياً وصف النص بأنه “سرقة أدبية” على نحو قاطع من دون فحص رسمي لمسار إعداد المسودة، لأن التشريعات بطبيعتها تستعير من الاتفاقيات والنماذج المقارنة. لكن يمكن القول إن هناك استلهاماً أو إعادة تدوير تشريعي واضحاً من مصادر عربية ودولية، خصوصاً في التعريفات والإجراءات.


التشابه الأوضح يظهر في تعريفات الحاسوب، تقنية المعلومات، البيانات، نظام المعلومات، الشبكة، الموقع، ومزود الخدمة، وهي قريبة من الاتفاقية العربية. كما أن بعض إجراءات حفظ البيانات وجمع الأدلة والاعتراض والرصد تشبه النمط الموجود في اتفاقية بودابست والاتفاقية العربية. هذا ليس خطأ بحد ذاته، لكن الخطأ هو أن يأتي النقل من دون مذكرة إيضاحية تبيّن المصدر، وسبب تبني النص، ومدى ملاءمته للبيئة العراقية.


الأفضل أن تُرفق بالمسودة مذكرة تشريعية تقول صراحة: استند القانون إلى الاتفاقية العربية، واتفاقية بودابست، واتفاقية الأمم المتحدة، والقوانين المقارنة، مع بيان مواضع الاختلاف. ذلك يمنح النص شرعية فنية ويمنع اتهامه بالنقل غير المنهجي.



ثاني عشر: أخطر المواد التي تحتاج إعادة صياغة


أخطر المواد ليست بالضرورة المواد التي تعاقب بشدة فقط، بل المواد التي تسمح بالتأويل الواسع. وأهمها:


مواد القذف والسب والتشهير، لأنها قد تُستخدم ضد الصحافة والنقد العام وحرية التعبير في المنصات الرقمية. يجب تحويلها غالباً إلى مسار مدني، مع استثناء الابتزاز والتهديد والتحريض المباشر.


مواد الأمن الوطني والنعرات والفتن، لأنها تحتاج إلى معيار الضرر الوشيك والتحريض المباشر والقصد الجنائي، لا الاكتفاء بعبارات عامة.


مواد الحسابات الوهمية، لأن الحساب المستعار ليس جريمة بذاته. الجريمة تكون في انتحال شخصية محددة أو الاحتيال أو الابتزاز أو ارتكاب ضرر.


مواد أدوات الاختراق، لأنها قد تجرّم الباحثين الأمنيين إن لم تستثنِ الاستخدام المشروع والمرخّص.


مواد المنصات والحجب، لأنها تحتاج إلى رقابة قضائية وحق اعتراض وشفافية وتدرج في الجزاءات.


مواد الأدلة الرقمية، لأنها تحتاج إلى سلسلة حيازة، بصمات رقمية، اعتماد مختبري، وحق الدفاع في إعادة الفحص.


ثالث عشر: الصياغة البديلة المقترحة لفلسفة القانون


يمكن إعادة بناء القانون وفق ثلاثة مسارات واضحة:


المسار الأول: الجرائم التقنية الصرفة

ويشمل الدخول غير المشروع، تعطيل الأنظمة، إتلاف البيانات، اعتراض الاتصالات، البرمجيات الخبيثة، سرقة كلمات المرور، الاحتيال الإلكتروني، انتحال الهوية الرقمية، اختراق وسائل الدفع، والابتزاز الإلكتروني.


المسار الثاني: الإجراءات والأدلة الرقمية

ويشمل أوامر حفظ البيانات، أوامر الإفصاح، التفتيش الرقمي، الاعتراض، جمع الأدلة، سلسلة الحيازة، اعتماد المختبرات، حماية الخصوصية، وحقوق الدفاع.


المسار الثالث: المنصات والمحتوى

وهذا يجب أن يكون محدوداً جداً أو في قانون مستقل، مع ضمانات صريحة لحرية التعبير والصحافة والمصلحة العامة، وعدم تجريم المحتوى إلا عند وجود ضرر واضح ومباشر ومقصود.


خاتمة تقييمية


المسودة الحالية تنطلق من حاجة حقيقية، لكنها لا تزال محكومة بمنطق تشريعي قديم ينظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه ساحة تهديد أكثر من كونه مجالاً للحقوق والاقتصاد والمعرفة والتعبير. القانون المطلوب للعراق لا يجب أن يكون قانون خوف من التكنولوجيا، بل قانون حماية وعدالة رقمية.


الغاية ليست فقط معاقبة الجناة، بل بناء ثقة بين الدولة والمجتمع الرقمي. هذه الثقة لا تتحقق بالعقوبات الثقيلة والصياغات الفضفاضة، بل بتعريفات دقيقة، أفعال مجرّمة محددة، إجراءات قضائية محكمة، أدلة رقمية موثوقة، وضمانات واضحة للصحافة والخصوصية والبحث الأمني وحرية التعبير.


لا يُنصح بتمرير المسودة بصيغتها الحالية. الأفضل إعادة صياغتها بالكامل عبر لجنة قانونية وتقنية وحقوقية تضم القضاء، الادعاء العام، خبراء الأمن السيبراني، مختبرات الأدلة الرقمية، الصحافة، المجتمع المدني، وممثلي القطاع الخاص. القانون بصيغته الحالية قد يحمي من جرائم حقيقية، لكنه قد يفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً لملاحقة التعبير الرقمي والصحافة والناشطين والباحثين الأمنيين.

انتهى.

©2025 by IRAQI-BAROMETER. 

bottom of page