top of page

هل منصات التواصل الاجتماعي وسائل إعلام؟

  • 22 يوليو
  • 10 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت، خبير اليونسكو للاتصالات والمعلومات


نشرت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع لحلقة بثتها قناة العراقية بالامس حملت عنوان: «الإعلام والاتصالات.. صلاحيات الهيئة وتعاقدات ستارلنك» استضافت رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام والاتصالات، حاوره الاعلامي سعدون ضمد وخاضا في موضوع لوائح الهيئة وكيف تنظر الى مواقع التواصل الاجتماعي ضمن نطاقها. وعلى اساس ما دار بين الاثنين، نقدم لكم هذا المحتوى الذي لا يقيم الأشخاص أو أسلوب الحوار، وإنما تفكيك الفكرة قانونياً وفنياً.


أولاً: هل التواصل الاجتماعي وسيلة إعلام تنطبق عليه القواعد القانونية التي تنطبق على وسائل الاعلام التقليدية؟

ان منصات التواصل الاجتماعي هي وسائل اتصال ونشر رقمية، ويمكن أن تُستخدم لأداء وظيفة إعلامية، لكنها ليست، بمجرد وجودها أو استخدامها، تصبح مؤسسات إعلامية أو خدمات بث مرخّصة.

ويجب التفريق بين ثلاثة مستويات:

  1. المنصة الرقمية مثل فيسبوك ويوتيوب وتيك توك، وهي بنية تقنية تستضيف المحتوى وتوصي به خوارزمياً.

  2. الحساب أو الصفحة، وقد تكون شخصية أو تجارية أو مؤسسية أو صحفية.

  3. المؤسسة الإعلامية المرخّصة التي تتحمل مسؤولية تحريرية وقانونية عن بثها وبرامجها ومنصاتها الرسمية.

ان الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى نتيجة خاطئة مؤداها أن كل شخص ينشر منشوراً أو فيديو أصبح «مؤسسة إعلامية» خاضعة لنظام ترخيص البث.

يؤكد القضاء العراقي أن مواقع التواصل قد تُعد من وسائل الإعلام أو العلانية لأغراض تطبيق بعض أحكام قانون العقوبات، لكنه أوضح أن هذا الوصف لا ينتقل تلقائياً إلى بقية القوانين، ولا يمنح المستخدم صفة صحفي أو مؤسسة إعلامية، ولا ينشئ له أو عليه المراكز القانونية الخاصة بالمؤسسات المرخّصة.

أما الأمر رقم 65 لسنة 2004، فإنه ما زال يُعامل قضائياً وإدارياً بوصفه نافذاً، على الرغم من طبيعته الانتقالية، لكنه ينظم أساساً المرخّص لهم ومقدمي الخدمات والمؤسسات الخاضعة للرخصة. ولا يمنح الهيئة، في قراءته الصحيحة، ولاية مهنية عامة على الحياة الشخصية لجميع الصحفيين أو على كل مستخدم للتواصل الاجتماعي.

وبناءً على ذلك:

فان معاقبة إعلامي مباشرة، أو إيقاف برنامجه التلفزيوني، بسبب منشور في حسابه الشخصي لا تكون صحيحة قانوناً في الأصل، ما لم تثبت علاقة مباشرة وواضحة بين الحساب والمنشور وبين المؤسسة المرخّصة أو البرنامج أو النشاط الإعلامي الرسمي، وبشرط وجود نص واضح، وإجراءات عادلة، وعقوبة متناسبة.

ثانياً: توصيف قانوني

1. هل المنصة نفسها مؤسسة إعلامية؟

المنصة الرقمية ليست مؤسسة إعلامية تقليدية بالمعنى الكامل؛ لأنها لا تنتج بالضرورة كل ما يظهر عليها، ولا تمارس مسؤولية تحريرية سابقة على ملايين المنشورات كما تفعل القناة أو الصحيفة.

المنصة تؤدي وظائف مختلفة، منها:

  • استضافة محتوى المستخدمين.

  • توزيعه خوارزمياً.

  • ترتيبه وترشيحه.

  • بيع الإعلانات المرتبطة به.

  • إزالة بعض المحتويات أو تقليل انتشارها.

ولهذا تتعامل معايير اليونسكو مع المنصات الرقمية ووسائل الإعلام بوصفهما فئتين مختلفتين من أصحاب المصلحة، وتحمّل المنصات مسؤوليات تتعلق بالشفافية، وتقييم مخاطر حقوق الإنسان، والمساءلة عن أنظمة التوصية والإشراف على المحتوى، بدلاً من افتراض أنها قناة تلفزيونية أو صحيفة تقليدية.

2. متى يصبح الحساب الشخصي ذا وظيفة إعلامية؟

قد يؤدي حساب شخصي أو صفحة مستقلة وظيفة إعلامية عندما تتوافر فيه، مثلاً:

  • الاستمرارية والانتظام والاعتراف بعنوان صريح ان الحساب يمثل وسيلة اعلام ينشط في نشر الأخبار أو التحقيقات.

  • وجود قرار تحريري أو فريق عمل.

  • التحقق من المعلومات والمصادر.

  • استهداف جمهور عام.

  • تحقيق إيرادات أو إعلانات بصورة منظمة.

  • تقديم نفسه للجمهور بوصفه منصة إخبارية.

  • تحمل مسؤولية تحريرية عن المحتوى.

لكن أداء وظيفة إعلامية لا يعني بالضرورة الخضوع لنظام ترخيص البث التلفزيوني. فقد يكون الشخص صحفياً أو مدوناً أو ناشراً رقمياً من منظور حرية التعبير، من دون أن يكون «مذيعاً مرخّصاً» أو «قناة بث».

وتؤكد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الصحافة وظيفة يمارسها طيف واسع يشمل الصحفيين المحترفين والمدونين وغيرهم من الناشرين عبر الإنترنت، وأن إنشاء نظام حكومي عام لترخيص الصحفيين أو تسجيلهم لا يتوافق، في الأصل، مع المادة 19 من العهد الدولي.

3. الحساب الشخصي ليس بالضرورة حساباً خاصاً

ينبغي التفريق بين:

  • حساب شخصي من حيث الملكية: يملكه الفرد ولا تديره المؤسسة.

  • محتوى خاص من حيث الخصوصية: رسالة أو مجموعة مغلقة أو مراسلة غير متاحة للجمهور.

  • منشور علني في حساب شخصي: يظل منشوراً عاماً وقد تترتب عليه مسؤولية قانونية.

إذن، وصف الصفحة بأنها «شخصية» لا يعفي صاحبها من قوانين القذف أو السب أو التهديد أو التحريض. لكنه في الوقت نفسه لا يحوّل الصفحة تلقائياً إلى امتداد للقناة التي يعمل فيها صاحبها، ولا يمنح الهيئة ولاية تنظيمية عليها لمجرد أن مالكها إعلامي.

ثالثاً: المعايير الدولية الحاكمة

العراق صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 25 كانون الثاني 1971، ولذلك تعد المادة 19 منه جزءاً أساسياً من الإطار الدولي الواجب مراعاته عند تنظيم الإعلام والإنترنت.

1. اختبار المشروعية الثلاثي

أي تقييد للتعبير يجب أن:

  1. يكون منصوصاً عليه في قانون واضح ويمكن توقع تطبيقه.

  2. يحقق غرضاً مشروعاً محدداً، مثل حماية حقوق الآخرين أو الأمن الوطني أو النظام العام.

  3. يكون ضرورياً ومتناسباً، وألا توجد وسيلة أقل تقييداً تحقق الغرض نفسه.

ولا يجوز أن تمنح النصوص الجهة الإدارية سلطة مفتوحة غير محددة لتقرير ما هو مسموح وما هو ممنوع. كما يقع على الدولة عبء بيان الأساس القانوني الدقيق لكل تقييد.


2. الإنترنت لا يخضع آلياً لنظام البث

تقرر لجنة حقوق الإنسان ضرورة مراعاة الاختلاف بين:

  • الصحافة المطبوعة.

  • الإذاعة والتلفزيون.

  • الإنترنت.

كما تؤكد أن القيود على المواقع والمدونات يجب أن تكون محددة بالمحتوى، وأن الحظر العام أو إيقاف نظام كامل بسبب محتوى قابل للفصل عنه لا يتوافق مع المادة 19.

3. لا عقوبة لمجرد النقد

العقوبة التي تفرض على مؤسسة إعلامية أو ناشر أو صحفي لمجرد انتقاده الحكومة أو النظام السياسي لا تُعد قيداً ضرورياً على حرية التعبير. كما يجب أن تكون تنظيمات الإعلام واضحة وموضوعية وشفافة وغير تمييزية.

4. تنظيم المنصات لا يعني مراقبة الأفراد

يركز منهج اليونسكو في حوكمة المنصات على:

  • شفافية خوارزميات التوصية.

  • تقييم المخاطر.

  • إجراءات التظلم.

  • حماية المستخدمين.

  • شفافية الإعلانات.

  • استقلال الجهات التنظيمية.

  • تجنب التدابير التعسفية أو غير المتناسبة.

أي إن التنظيم الحديث يتجه إلى حوكمة الأنظمة والمنصات الكبرى، وليس إلى تحويل كل مستخدم إلى محطة بث تحتاج إلى رقابة مهنية مسبقة.

رابعاً: كيف نظر القانون العراقي إلى التواصل الاجتماعي منذ 2008؟

المرحلة الأولى: تطبيق القوانين العامة

منذ انتشار منصات التواصل بعد عام 2008، لم ينشأ في العراق مركز قانوني موحد بعنوان «مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي». ولذلك خضعت الأفعال، بحسب طبيعتها، إلى:

  • الدستور.

  • قانون العقوبات.

  • القانون المدني.

  • قوانين العمل والعقود.

  • قواعد النشر والإعلام عند وجود مؤسسة إعلامية مرخّصة.

الدستور يضمن حرية التعبير «بكل الوسائل»، ويضمن حرية الصحافة والإعلام والنشر، ولا يجيز تقييد الحقوق إلا بقانون أو استناداً إلى قانون، وبما لا يمس جوهر الحق. كما يحمي الاتصالات الإلكترونية من المراقبة أو الكشف إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي.

المرحلة الثانية: قانون حقوق الصحفيين لعام 2011

صدر قانون حقوق الصحفيين رقم 21 لسنة 2011 لحماية ممارسة المهنة وحقوق الصحفيين، لكنه لم يجعل كل مستخدم للتواصل الاجتماعي صحفياً، ولم يجعل كل حساب مؤسسة إعلامية، ولم يمنح هيئة الإعلام سلطة تأديبية عامة على الصحفي خارج إطار الرخصة أو المؤسسة الإعلامية.

المرحلة الثالثة: التكييف القضائي لمواقع التواصل

اتجه القضاء العراقي إلى اعتبار النشر في مواقع التواصل من صور العلانية التي يمكن أن تقع بها جرائم القذف والسب.

فالمادة 433 من قانون العقوبات تعالج القذف، والمادة 434 تعالج السب، وقد طبق القضاء هذه النصوص على منشورات فيسبوك وغيرها.

لكن التوضيح القضائي الأهم قرر أن اعتبار مواقع التواصل «وسائل إعلام» في قانون العقوبات لا يتجاوز الغرض الجزائي، ولا ينتقل تلقائياً إلى قوانين النقابة أو الحقوق المهنية أو غيرها من القوانين الخاصة.

وهذا المبدأ قابل للتطبيق على موضوع هيئة الإعلام:

اعتبار فيسبوك وسيلة علانية في دعوى قذف لا يعني أن مستخدم فيسبوك أصبح مرخّصاً للبث، أو أن هيئة الإعلام اكتسبت ولاية تأديبية على كل ما ينشره.

المرحلة الرابعة: لوائح الهيئة والمنصات الرقمية

خلال 2025–2026 أصدرت الهيئة أو نشرت لائحة لقواعد البث وإطاراً تنظيمياً للمنصات والخدمات الرقمية، ثم أعلنت تفسيراً موسعاً مفاده خضوع المحتوى الرقمي لقواعد البث ودعت المؤثرين إلى الالتزام بها.

إلا أن هذا الإعلان يمثل تفسيراً إدارياً صادراً عن الهيئة، ولا يساوي قانوناً تشريعياً جديداً، ولا يستطيع بمفرده تعديل حدود الأمر رقم 65 أو إلغاء الفروق التي وضعها بين البث وخدمات المعلومات والاتصالات.

خامساً: الوضع القانوني للأمر رقم 65 لسنة 2004

1. هل هذا الأمر مؤقت وغير نافذ؟

الأمر انتقالي في منشئه، ونص في نهايته على بقائه نافذاً إلى أن تصدر الإدارة العراقية الانتقالية تشريعاً يحل محله.

لكن وصفه بأنه مؤقت لا يعني أنه سقط تلقائياً؛ لأن المادة 130 من الدستور أبقت التشريعات القائمة نافذة إلى أن تُلغى أو تعدل وفق الدستور. كما وصفه مجلس القضاء الأعلى في 2023 بأنه الأمر رقم 65 لسنة 2004 النافذ.

والدستور نفسه يعترف بهيئة الإعلام والاتصالات بوصفها مؤسسة مستقلة مالياً وإدارياً مرتبطة بمجلس النواب، ويشترط أن ينظم عملها بقانون.

إذن، الرأي الأدق هو:

الأمر 65 ما زال أساساً تنظيمياً مستخدماً، لكنه نص انتقالي قديم يجب تفسيره في ضوء دستور 2005 والعهد الدولي، ولا يجوز توسيعه باللوائح بما يتجاوز حدوده الأصلية.

2. ماذا ينظم الأمر 65؟

يعرف الأمر «البث» بأنه إرسال من نقطة إلى عدة نقاط موجه لاستقبال الجمهور، ويؤكد أن تعريف البث لا يشمل خدمات المعلومات أو الاتصالات.

ويمنح الهيئة صلاحية:

  • إدارة عمليات الترخيص.

  • ترخيص مشغلي شبكات الاتصالات.

  • ترخيص القائمين بالبث.

  • ترخيص أو تسجيل مقدمي الخدمات.

  • مراقبة التزام المرخص لهم بشروط الرخص.

  • وضع مدونات ملزمة تنظم أعمال الجهات المرخّصة.

هذه الصياغات تدل على أن مركز النظام هو:

الرخصة، ومقدم الخدمة، والمؤسسة، والعملية المنظمة، وليس الصفة الشخصية للفرد بوصفه إعلامياً.

3. حجة الهيئة المقابلة

يمكن للهيئة أن تستند إلى أن تعريف «الإعلام» في الأمر المؤقت لبريمر، يشمل الكيانات التي تقدم الأخبار والمعلومات والترفيه باستخدام خدمات الاتصال، وأنها مسؤولة عن تنظيم خدمات المعلومات و«وسائل الإعلام الأخرى».

وهذه الحجة قد تبرر تنظيم:

  • المنصات الرقمية العاملة تجارياً داخل العراق.

  • خدمات البث عبر الإنترنت.

  • المؤسسات الإعلامية الرقمية المنظمة.

  • الصفحات الرسمية التابعة للقنوات.

  • مقدمي المحتوى الذين يعملون بوصفهم مشروعات أو خدمات منظمة، متى وجد أساس واضح للتسجيل أو الترخيص.

لكنها لا تكفي للقول إن كل مستخدم أو صحفي أو مدون أصبح «كياناً مرخصاً»، لأن الأمر نفسه يربط مدونات الممارسة بالجهات المرخصة، ويتحدث عن تسجيل المؤسسات التي تقدم خدمات معلوماتية، لا عن تسجيل مستخدمي تلك الخدمات.

سادساً: هل يجوز معاقبة الإعلامي بسبب صفحته الشخصية؟

الحالة الأولى: الحساب الشخصي المستقل فعلاً

إذا كان الحساب:

  • مملوكاً للإعلامي نفسه.

  • لا يحمل شعار القناة.

  • لا تديره المؤسسة.

  • لا يقدم نفسه بوصفه حساب البرنامج الرسمي.

  • لم يُنشر المحتوى عبر منصات القناة.

  • لم تتبنَّ المؤسسة المنشور أو تعيد بثه.

فالأصل أن المنشور لا يدخل ضمن النشاط المرخّص للقناة، ولا يجوز تحميل البرنامج أو المؤسسة تبعته التنظيمية لمجرد وجود علاقة عمل بينها وبين صاحب الحساب.

وإذا انطوى المنشور على قذف أو سب أو تهديد أو تحريض أو انتهاك لحقوق الآخرين، فإن الطريق الطبيعي هو:

  • القضاء الجزائي أو المدني ضد الناشر.

  • أو الإجراء الوظيفي من صاحب العمل إذا خالف عقداً أو سياسة داخلية مشروعة.

  • أو المساءلة النقابية عند توافر اختصاص نقابي واضح.

ولا يصح أن تحل الهيئة محل المحكمة في تقرير المسؤولية الجزائية أو المدنية.

الحالة الثانية: الحساب امتداد رسمي للمؤسسة

يمكن أن يقوى اختصاص الهيئة عندما يكون الحساب:

  • حساباً رسمياً للبرنامج.

  • موثقاً باسم القناة أو تابعاً لإدارتها.

  • يستخدم مواد وأجهزة وهوية المؤسسة.

  • جزءاً من خطة النشر الرسمية.

  • يعيد بث حلقات البرنامج أو محتوى القناة.

  • خاضعاً لمسؤولية تحريرية مثبتة للمؤسسة.

هنا يمكن نسبة المحتوى إلى المرخص له، بشرط تطبيق الإجراءات القانونية والتناسب.

الحالة الثالثة: حساب شخصي مختلط

هذه هي الحالة الأصعب: إعلامي مشهور يستخدم اسمه وصفته المهنية، وينشر أحياناً مواد البرنامج وآراءه الشخصية.

في هذه الحالة لا يكفي عدد المتابعين أو الشهرة لإثبات اختصاص الهيئة. بل يجب تحديد المنشور محل النزاع:

  • هل نشر بصفته الشخصية أم المهنية؟

  • هل تبنته المؤسسة؟

  • هل استخدم مواردها؟

  • هل تضمن تمثيلاً رسمياً لها؟

  • هل توجد سياسة منشورة وواضحة تربط الحساب بالنشاط المرخص؟

  • هل كان للجمهور سبب موضوعي لاعتباره صادراً عن القناة؟

كل منشور يجب أن يقيّم وفق وقائعه، ولا يجوز افتراض تبعية الحساب بالكامل للمؤسسة.

سابعاً: هل يجوز إغلاق البرنامج الإعلامي بسبب منشور شخصي؟

الرأي القانوني

في الأصل: لا.

الأمر 65 يسمح بفرض عقوبات تنظيمية لضمان الالتزام بشروط الرخصة ومدونات الممارسة واللوائح، ويذكر من بينها الإنذار والاعتذار والغرامة وتعليق الرخصة أو العمليات وإغلاقها أو سحب الرخصة. لكنه يربط ذلك بمخالفة المرخص له أو العملية المنظمة.

إغلاق برنامج بسبب فعل شخصي لا علاقة له بمحتوى البرنامج، اجراء يثير أربع مشكلات:

1. مشكلة الاختصاص

يجب أن تثبت الهيئة أن الواقعة تقع ضمن البث أو النشاط الإعلامي المرخص، وليس مجرد تعبير شخصي خارج نطاق المؤسسة.

2. مشكلة إسناد المسؤولية

الدستور العراقي ينص على أن العقوبة شخصية، وعلى حق كل شخص في المعاملة العادلة في الإجراءات الإدارية والقضائية. ومعاقبة البرنامج أو فريقه أو المؤسسة على فعل شخص واحد مستقل قد تتحول إلى عقوبة جماعية غير مبررة.

3. مشكلة التناسب

حتى إذا ثبتت المخالفة، يجب اختيار الإجراء الأقل تقييداً. فلا يكون إيقاف برنامج كامل متناسباً إذا أمكن معالجة الضرر بحق الرد أو التصحيح أو حذف المنشور أو مساءلة الشخص المسؤول مباشرة.

4. مشكلة وضوح النص

يجب أن يكون الصحفي والمؤسسة قادرين مسبقاً على معرفة أن سلوكاً معيناً في حساب شخصي سيؤدي إلى إغلاق برنامج تلفزيوني. ولا يجوز للائحة مبهمة أن تمنح الهيئة سلطة غير محدودة لتوسيع نطاقها بعد وقوع الفعل.

ثامناً: الإجراءات التي يجب على الهيئة اتباعها

الأمر 65 نفسه لا يجيز العقوبات الفورية غير المنضبطة، بل يفرض:

  • وضع معايير لتحديد المخالفات.

  • مراجعة وقائع القضية.

  • منح المتضرر فرصة كاملة وكافية للرد.

  • إصدار قرار مكتوب.

  • تقدير جسامة الضرر والظروف المخففة والمشددة.

  • إتاحة الطعن.

  • نشر القرارات وإتاحتها للجمهور.

ولا يسمح بالتعليق الفوري للعمليات قبل المراجعة إلا عندما يشكل استمرار العملية تهديداً وشيكاً للسلامة أو النظام العام، على أن تتبعه مراجعة عاجلة.

كما ألزم الأمر الهيئة منذ تأسيسها بمبادئ:

  • الموضوعية.

  • الشفافية.

  • عدم التمييز.

  • التناسب.

  • الإجراءات القانونية الواجبة.

  • الاسترشاد بالمادة 19 من العهد الدولي.

تاسعاً: الانتقائية في تطبيق العقوبات

الانتقائية لا تثبت قانوناً بمجرد اختلاف الانطباعات. بل يلزم إثبات:

  1. وجود حالات متشابهة في الوقائع.

  2. خضوعها للنص نفسه.

  3. معاقبة بعضها وتجاهل بعضها الآخر.

  4. عدم وجود سبب موضوعي ومعلن للاختلاف.

الدستور يقرر المساواة أمام القانون، والأمر 65 يلزم الهيئة بعدم التمييز، والمعايير الدولية تمنع منح الجهة المنفذة سلطة غير محدودة أو تطبيق القيود بطريقة تمييزية.

وعليه، فإن الانتقائية المثبتة قد تشكل سبباً للطعن بسبب:

  • إساءة استعمال السلطة.

  • الانحراف في استعمال الاختصاص.

  • الإخلال بالمساواة.

  • عدم التناسب.

  • غياب المعايير الموضوعية.

  • استهداف رأي أو شخص دون غيره.

عاشراً: اختبار قانوني مختصر لأي قرار مستقبلي

قبل قبول مشروعية أي عقوبة، ينبغي طرح الأسئلة الآتية:

أولاً: من هو المخاطب بالنص: الفرد أم المؤسسة المرخصة؟

ثانياً: أين نُشر المحتوى: في البث، منصة القناة، حساب البرنامج، أم حساب مستقل؟

ثالثاً: ما النص القانوني الدقيق، وليس البيان الصحفي، الذي يمنح الهيئة الاختصاص؟

رابعاً: هل توجد رابطة تحريرية أو تعاقدية مثبتة بين المنشور والمرخص له؟

خامساً: هل مُنح المتضرر إشعاراً وفرصة فعلية للرد؟

سادساً: هل صدر قرار معلل ومتاح للجمهور؟

سابعاً: لماذا اختير إغلاق البرنامج بدلاً من إجراء أقل تقييداً؟

ثامناً: هل طُبق المعيار نفسه على الحالات المماثلة؟

إذا عجز القرار عن الإجابة عن هذه الأسئلة، فإنه يكون معرضاً للطعن من حيث الاختصاص أو السبب أو الإجراءات أو التناسب.

النتيجة النهائية

التوصيف الصحيح

منصات التواصل الاجتماعي:

  • وسائل اتصال ونشر.

  • قد تكون أدوات إعلام.

  • قد تستضيف ممارسة صحفية.

  • وقد تصبح بعض الصفحات مؤسسات إعلامية رقمية منظمة.

لكنها ليست جميعاً، وبصورة آلية:

  • خدمات بث تلفزيوني.

  • مؤسسات إعلامية مرخصة.

  • خاضعة لكل قواعد البث.

  • أو واقعة تحت ولاية مهنية مطلقة لهيئة الإعلام والاتصالات.

الرأي بشأن صلاحيات الهيئة

للهيئة صلاحية حقيقية في تنظيم المؤسسات المرخصة، وخدمات البث، ومقدمي خدمات الاتصالات والمعلومات، وبعض الخدمات والمنصات الرقمية المنظمة. كما يمكنها مساءلة القناة عن محتواها الرسمي ومنصاتها التابعة لها.

لكن الأمر 65 لا يصح تفسيره بوصفه تفويضاً مفتوحاً لمراقبة جميع المواطنين والإعلاميين أو لمعاقبتهم على نشاطهم الشخصي خارج المؤسسة.

الرأي بشأن إيقاف البرامج

إغلاق برنامج إعلامي بسبب منشور في صفحة شخصية مستقلة، من دون إثبات ارتباط المنشور بالمؤسسة أو بالبرنامج أو بالنشاط المرخص، هو إجراء ضعيف السند القانوني، ويحتمل أن يشكل تجاوزاً للاختصاص وعقوبة غير شخصية وغير متناسبة.


والقاعدة التي ينبغي تثبيتها هي:

المحتوى الرقمي قد يخضع للقانون، لكن ليس كل محتوى رقمي خاضعاً لقانون ترخيص البث، وليس كل إعلامي ينشر بحسابات او صفحات تواصل اجتماعي يقع تحت سلطة الهيئة.


©2025 by IRAQI-BAROMETER. 

bottom of page