top of page

العالم يدخل نفق "القوة القاهرة" لامدادات الطاقة

  • 6 مارس
  • 4 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت


لم يسبق ان اهتزت البنية العميقة للاقتصاد العالمي في تاريخ امدادات الطاقة، ولم يسبق ان تحول النفط والغاز من مجرد سلعة في الأسواق إلى عنصر وجودي يحدد استقرار الدول ومسار الحروب ومستقبل النظام الدولي. الحرب العالمية الثانية كانت إحدى تلك اللحظات حين تعطل إنتاج الفحم في أوروبا، وهو الوقود الذي كان يغذي المصانع والجيوش والسكك الحديدية. وقاد لتضخم وركود اقتصادي عالجه نفط الخليج. اليوم، ومع اتساع دائرة المواجهة بين إيران وفريقها من جانب، وامريكا وإسرائيل وفريقهم من جانب اخر، فان احتمالية ان يقترب العالم من لحظة انهيار اسواق الطاقة كبيرة جدا وقريبة جدا. ولكن هذه المرة في قلب منظومة الطاقة الحديثة، النفط والغاز في الشرق الأوسط.

المشكلة الحقيقية التي قد لا يدركها كثيرون ليست مجرد توقف مؤقت في ضخ النفط بسبب القصف أو الصواريخ. فالدول المصدرة للنفط تعمل ضمن منظومات إنتاجية شديدة التعقيد، تبدأ من ضغط المكامن النفطية، مروراً بأنظمة الحقن بالماء والغاز للحفاظ على الضغط داخل الحقول، وصولاً إلى شبكة المعالجة والنقل والتصدير. إذا توقفت هذه الدورة الإنتاجية لفترة تزيد على عشرة ايام، فإن إعادة تشغيلها ليست مسألة أيام أو أسابيع. بعض الحقول قد يتعرض لانخفاض دائم في الضغط، وبعض الآبار قد تتضرر تقنياً، ما يعني أن العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة قد تستغرق شهرا واكثر. هذه الحالة تُعرف في صناعة النفط بحالة “القوة القاهرة”، وهي ليست مجرد توقف وضعي عن التصدير، بل انهيار مؤقت في القدرة الإنتاجية نفسها.

لو نظرنا إلى الخريطة الطاقية للشرق الأوسط، فإن حجم المخاطر يصبح أكثر وضوحاً. دول الخليج العربي وإيران والعراق تشكل معاً أحد أعمدة سوق الطاقة العالمي. السعودية وحدها تنتج قرابة عشرة ملايين برميل يومياً، وتمتلك القدرة على زيادة الإنتاج عند الحاجة. العراق ينتج ما يقارب أربعة ملايين برميل يومياً، معظمها يذهب إلى الأسواق الآسيوية. الإمارات والكويت تضخان معاً أكثر من خمسة ملايين برميل يومياً. أما إيران، رغم العقوبات، فهي تنتج ما يقارب ثلاثة إلى أربعة ملايين برميل يومياً، ويُصدر جزء كبير منها عبر قنوات غير رسمية إلى الصين وآسيا.

لكن الأرقام النفطية ليست سوى نصف الصورة، فهذه المنطقة أيضاً مركز ضخم لإنتاج الغاز الطبيعي، خصوصاً في الخليج وإيران وقطر. حقل الشمال القطري – الذي يتصل جيولوجياً بحقل بارس الجنوبي الإيراني – يمثل أكبر تجمع غازي في العالم، وتنتج قطر وحدها أكثر من 75 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعلها أحد الأعمدة الأساسية لأمن الطاقة في أوروبا وآسيا.

واقعا تحولت الحرب الحالية إلى مواجهة مفتوحة طالت الممرات البحرية ومنشآت الإنتاج، والعالم فقد فجأة ما بين 15 إلى 25 مليون برميل يومياً من الإمدادات المحتملة أو الفعلية. هذا الرقم يعادل تقريباً ربع التجارة النفطية العالمية. أما في الغاز، فإن تعطل جزء من صادرات الخليج سيخلق فجوة يصعب تعويضها، خصوصاً بعد أن أصبحت أوروبا تعتمد بشكل اساسي على الغاز المسال منذ تراجع الإمدادات الروسية.

العقدة الجيوسياسية الأكثر حساسية في هذا المشهد هي مضيق هرمز. عبر هذا الممر البحري الضيق يمر يومياً ما يقارب خُمس النفط المتداول عالمياً. وقد تعطلت الملاحة فيه — منذ ايام عبر هجمات بحرية، ألغام، أو صواريخ مضادة للسفن — عملياً ضرب الشلل جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. ومع ارتفاع المخاطر التأمينية توقفت المثير من الشركات عن الشحن، وهو ما حدث جزئياً في أزمات سابقة لكن هذه المرة يحدث الامر على نطاق أوسع بكثير.

الدول الأكثر تضرراً من هذه الصدمة لن تكون بالضرورة الدول المنتجة وحدها، بل أيضاً الاقتصادات الصناعية الكبرى التي تعتمد على الطاقة المستوردة. الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، تحصل على نسبة كبيرة من وارداتها من الخليج. الهند كذلك تعتمد بشكل متزايد على النفط العراقي والسعودي. أوروبا، التي لم تتعاف بعد بالكامل من صدمة الغاز الروسي بعد حرب أوكرانيا، تجد نفسها اليوم أمام أزمة مزدوجة مع تراجع إمدادات الغاز المسال من الخليج.

أما الولايات المتحدة، فرغم أنها أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم بفضل النفط الصخري، إلا أن اقتصادها ما زال حساساً جداً لارتفاع أسعار الطاقة العالمية. ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 150 أو حتى 200 دولار للبرميل — وهو سيناريو ممكن إذا تعطلت إمدادات الشرق الأوسط — سيخلق موجة تضخم عالمية جديدة قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود عميق.

لكن السيناريو الأخطر لا يتعلق فقط بالأسعار. إذا طالت الحرب وأصبحت البنية التحتية النفطية هدفاً متكرراً للهجمات، فإن بعض الحقول والمنشآت قد تدخل في مرحلة تعطيل طويل. في هذه الحالة، لن يكون الحديث عن أزمة سوق مؤقتة، بل عن إعادة تشكيل كاملة لخريطة الطاقة العالمية. الدول المنتجة خارج الشرق الأوسط — مثل الولايات المتحدة والبرازيل وغويانا والنرويج — قد تحاول زيادة إنتاجها لتعويض النقص، لكن هذه الزيادة تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة.

في الوقت ذاته، ستندفع القوى الكبرى إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة. أوروبا قد تسرع مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. الصين ستزيد استثماراتها في الطاقة الشمسية والنووية. لكن هذا التحول، مهما تسارع، لا يمكنه أن يعوض فجوة نفطية بهذا الحجم خلال سنوات قليلة.

هكذا قد يجد العالم نفسه أمام لحظة تاريخية جديدة تشبه — وربما تتجاوز — أزمات الطاقة في السبعينيات. الفرق أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر ترابطاً وتعقيداً بكثير. توقف جزء كبير من إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط لن يعني فقط ارتفاع أسعار الوقود، بل سيؤثر في سلاسل الإمداد العالمية، والصناعات الثقيلة، والنقل البحري والجوي، وحتى الأمن الغذائي.

إذا استمرت الحرب واتسعت دائرتها، فإن الشرق الأوسط قد يتحول من مركز إمداد الطاقة العالمي إلى نقطة اختناق تاريخية في شرايين الاقتصاد الدولي. عندها لن تكون الأزمة مجرد صراع إقليمي، بل بداية مرحلة جديدة يعاد فيها رسم التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية للعالم بأسره.

©2025 by IRAQI-BAROMETER. 

bottom of page