بِزنس البيانات: من صيّاد المعلومة إلى مهندس السرد الرقمي… لحائك البيانات
- 26 أبريل
- 2 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت خبير اليونسكو للاتصالات والمعلومات
لم يعد من الدقة النظر إلى البيانات على أنها مجرد أرقام صامتة تُخزَّن في جداول باردة، ولا أن حِرفة جمع المعلومات تظل حكرًا على الصحفي الذي يُكلَّف بالتقاط خبر من الميدان. لقد تغيّر المشهد جذريًا. ما كان يومًا وظيفة تقليدية تقوم على “التقاط المعلومة” تحوّل اليوم إلى صناعة متكاملة تُعرف بـ بِزنس البيانات—حيث القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك المعلومة، بل في كيفية حياكتها، وتشكيلها، وإخراجها كمنتج رقمي حيّ قادر على التأثير.
لقد انتهى زمن الوسيط الأحادي. اليوم، يولد فاعل جديد في هذا المشهد: #القادر_الرقمي. هذا الإنسان المعاصر—المستخدم الذي يحمل هاتفًا ذكيًا أو حاسوبًا—لم يعد مجرد متلقٍ، بل أصبح منتجًا ومحللًا وناشرًا في آنٍ واحد. يمتلك أدوات كانت حتى وقت قريب حكرًا على المؤسسات الكبرى. يلتقط البيانات، يُنقّيها، يربط بينها، ثم يعيد صياغتها في هيئة قصة، أو فيديو، أو تحليل تفاعلي.
لكن الفارق الجوهري لا يكمن في الكمية، بل في التحوّل من “البيانات الخام” إلى “البيانات الذكية” (Smart Data). فالبيانات الذكية ليست تلك التي تُجمع فقط، بل التي تُفهم وتُفكك وتُعاد صياغتها ضمن سياق يمنحها معنى وقيمة وروحًا. إنها البيانات التي تُروى، التي تُعرض، التي تُصمَّم لتؤثّر… لا لتُخزَّن.
في هذا العالم الجديد، تصبح حياكة البيانات فنًا بحد ذاته. هي عملية أقرب إلى النسيج: خيوط متعددة من مصادر مختلفة—منصات اجتماعية، تقارير رسمية، تفاعلات رقمية، إشارات خوارزمية—وأفكار تُجمع كلها وتُنسج بعناية لتُنتج قطعة واحدة متماسكة… أو قطعًا متعددة، لكل منها وظيفة وسياق. قد تكون هذه القطعة تحقيقًا صحفيًا، أو حملة رقمية، أو منتجًا تجاريًا قائمًا على تحليل السلوك.
وهنا يظهر التحوّل الأعمق:
لم يعد المحتوى مجرد نقلٍ للواقع، بل أصبح إعادة تشكيل له.
فصانع المحتوى اليوم لا يكتفي بسرد ما حدث، بل يُعيد بناء الحدث ذاته عبر البيانات. يخلق زوايا جديدة، يسلّط الضوء على أنماط خفية، ويُعيد ترتيب الأولويات وفق ما تكشفه الأرقام والسلوكيات. يمكنه أن ينتج مادة رقمية نابضة بالحياة—تفاعلية، جذابة، ومؤثرة—أو، على النقيض، مادة “ميتة” ذات جمالية شكلية، أو حتى “حشوًا بيانيًا” يُستخدم لتوجيه الانتباه نحو زاوية محددة.
وهنا تكمن القوة… كما يكمن التحدي.
بِزنس البيانات ليس مجرد مهارة تقنية، بل هو سلطة.
سلطة تشكيل الإدراك، وتوجيه الرأي العام، وصناعة السرديات.
لكن هذه السلطة، إن لم تُحكم بالوعي والأخلاق، قد تنزلق نحو التلاعب والتضليل. لذلك، فإن المستقبل لا يحتاج إلى “مُجمّعي بيانات” بقدر ما يحتاج إلى مهندسي معنى—أشخاص قادرين على التعامل مع البيانات بذكاء استراتيجي، ونزاهة معرفية، ومسؤولية رقمية. أشخاص يفهمون كيف تعمل الخوارزميات، لا ليخترقوها، بل ليستخدموها بوعي، ويكشفوا حدودها وانحيازاتها، ويوظفوها لخدمة المعرفة والمجتمع.
نحن لا نعيش عصر البيانات…
بل نعيش عصر إعادة كتابة الواقع عبر البيانات.
ومن لا يتقن هذه اللغة، سيبقى مجرد متفرج في مسرح يُكتب كل يوم بخيوط رقمية غير مرئية.
وأخيرًا، فإن بِزنس البيانات لم يعد مجرد اتجاه عابر، بل هو قطاع ناشئ سريع النمو، يدرّ مليارات الدولارات عالميًا، ويعيد تشكيل أسواق العمل، ويخلق وظائف لم تكن موجودة قبل عقد واحد فقط. إنه اقتصاد جديد… تُكتب قواعده بالبيانات، وتُدار خيوطه بالعقول التي تُجيد حياكتها.
انتهى.






