انقلب الساسة عليكم: شدو الاحزمة ليتنعموا بامتيازاتهم !
- 11 فبراير
- 2 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت
لم تمضِ سوى أشهر قليلة على تلك الخطب المشبعة بالعطر البلاغي، والوعود التي كانت تُرشّ على الجمهور اثناء الحملات الانتخابية، حتى تبدّلت الروائح… واكتشف الناس أن ععطورهم لم تكن سوى ماءٍ عفن. الأحزاب نفسها التي أقسمت – أمام الكاميرات وبأقصى درجات الخشوع المصطنع – أنها جاءت لإنقاذ الوطن، شرعت بعد الفوز مباشرةً في تطبيق برامج مختلفة تماماً: برامج عنوانها “انتم شدّوا الأحزمة… ونحن نوسّع منافعنا”.
تقشّف هنا، قطع رواتب هناك، رفع ضرائب، تضييق تعرفات، إلغاء إعفاءات، تأخير الرواتب إلى خمسة وخمسين يوماً بدل ثلاثين، وكأن الزمن نفسه دخل في مزاد علني. المواطن لا ينتظر راتبه بعد الآن، بل يترقّبه كما يترقّب ظهور مذنبٍ نادر في السماء: قد يأتي… وقد يغيّر مساره فجأة.
يبدو أن بعض من جلسوا على الكراسي الحكم قد بنوا حساباتهم على ثلاث نظريات ذهبية عن الجمهور.
الأولى: الذاكرة القصيرة؛ فبعد أربع سنوات – حين تعود اللافتات وتُغسل الوجوه في فلاتر الإعلانات – سيكون كل شيء قد مُسح، وكأن ما جرى كان حلماً سيئاً أو نشرة طقس عابرة. والجمهور العراقي ينسى بسرعة!
الثانية: النفعية السريعة؛ حيث يمكن إذابة الغضب الشعبي مقابل بطاقة رصيد، أو “لفة كص”، أو ما يعادلها في سوق العواطف الانتخابية.
أما الثالثة، فهي الاستثمار طويل الأمد في تعطيل العقل لصالح العاطفة: دينية كانت أم جغرافية أم قومية، المهم أن يبقى الصف مشدوداً خلف الراية، حتى لو كانت الراية مرفوعة فوق خزنة مفتوحة.
لكن دعونا – للحظة واحدة فقط – نكفّ عن تشريح الجمهور، ونلتفت إلى النماذج السياسية التي تعتلي المنابر الحكومية. هؤلاء الذين صعدوا على أكتاف شعارات مكافحة الفساد، ووزّعوا في حملاتهم الإعلامية مكانس افتراضية لتنظيف الدولة… ما إن جلسوا على “دكّة الحكم” حتى ركنوا المكانس في المخزن، وارتدوا زعانف، وتحولوا – بمرونة مذهلة – إلى حيتان تجيد السباحة في المياه العكرة، وتُتقن تنفيذ كل ما كانت تشتمه حين كانت في صفوف المعارضة.
واليوم، تتجلّى النقمة في قرارات تُقدَّم على أنها إصلاحات، لكنها تصل إلى الناس كفواتير عقاب جماعي. قرارات مجلس الوزراء تُقرأ في الشارع بوصفها تمريناً عملياً على الصبر الإجباري، وخصوصاً حين تطال الفئات التربوية والأكاديمية، أولئك الذين يُفترض أنهم حراس المستقبل لا ضحاياه. وما أغرب هذا الحماس المفاجئ لتقليم مخصصات الأساتذة والمعلمين، كأن المشكلة في البلد كانت دائماً في الطباشير والسبورة، لا في حسابات البنوك العابرة للقارات.
أما المواطن العادي، فقد دخل مرحلة “تفريغ الجيوب المنهجي”: أصواتكم وصلت، شكراً… والآن دعونا نرى ما تبقى في المحافظ. الحصة التموينية غائبة منذ ثلاثة أشهر، الكهرباء اختفت حتى في موسم وفرتها الشتوية، وكل مرة يُقال إن السبب طارئ، استثنائي، مؤقت… حتى صار “المؤقت” أطول عمراً من الدساتير.
هكذا نمضي في مسرحية وطنية من فصل واحد يتكرر إلى ما لا نهاية:
سياسي يَعِد، جمهور يصفّق، سلطة تُقشف، مواطن يترقّب، ثم تُعاد الدورة مع ديكور جديد وشعارات أكثر لمعاناً.
والفرق الوحيد أن المقاعد في الصفوف الأمامية محجوزة دائماً… لا للناخبين، بل لأولئك الذين اكتشفوا مبكراً أن السياسة ليست فن خدمة الناس، بل رياضة احترافية في شدّ الأحزمة… حول خصور الآخرين وسىرقة ثروات الشعب بلا اي خوف!






