عندما يحكمنا الساسبوكية وصناع الوهم رقميا!
- 2 فبراير
- 2 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت
كم نحن محظوظون أنّ من يحكمنا هم خبراء في تدوير الإشاعات وتتبع الهاشتاغات! لقد ارتقى المشهد السياسي عندنا إلى مستوى "صراع التغريدات" — مسرحٌ وطني تُرفع عليه القرارات، وتُسدل عليه المصائر، ويُفتَح فيه حساب مصير الوطن على خاصية "التحديث الفوري".
بوجود شبكة الاتصالات لم نَعُد بحاجةٍ إلى مؤسسات دبلوماسية أو مراكز دراسات — فـ"صفحة فيسبوك أو إكس" تكفي لتلخيص كلّ العلوم!. أصبحت السلطة عندنا مجموعةً من ساسة الصدفة و"أنصاف السياسيين" الذين درسوا فنّ الرد تحت الضغط على المنصات الرقمية، وتعلّموا مهارات "الرد على التغريدات المجهولة" دون حاجة إلى التحقق من صحتها! هم يعكفون نهاراً على مراقبة حساب #سفايا، او حساب #توم-باراك ويتساءلون إن كان قد أُغلق، ويصلّون على كل تغريدة لعلّها تنقذهم من أزمة حكومية أو تطيح بوزير حزب خصم أو ترفع سعر البنزين.
لا عزاء لهذه الطبقة؛ "السّاسبوكية" — فهي مزيج فريد من الجبن السياسي والأمية المعلوماتية التي تُنتج بطولات رقمية وتتفاخر بمنجزات فيسبوكية! إنهم لا يملكون شجاعة التفسير أو خُطا السياسات، بل يملكون قدرة خارقة على الاستجابة العاطفية لتغريدة هنا ومنشور هناك. أما إن أردت رؤية التفاهة في أبهى صورها، فانظر إلى القادة وهم ينامون على "ترند" ويستيقظون على "ترند" آخر — حياة بُنيت على إيقاعات الضجيج الرقمي، لا على صرامة التفكير السياسي أو مبادئ الدولة.
الحكام الفعليون هم صنّاع الضباب، "نساجو المعلومات المزيفة" — حشد مُدجّج بمنصات تمحو حقيقة الخبر وتبصم على بديل اسمه "الخبر المرصوف". إن المال العام يُصبّ في خزائن هذه المجموعات التي تُشغّل مراكز "التلوث المعلوماتي" وتحوّل كل خبر إلى رافعة ربحية. اسمحوا لي أن أُطلق عليهم لقب "بتوع السبع منصات" وليس "الورقات"— فهؤلاء الناشطون، أمثال ستيفن نبيل وأحمد البشير وغيرهم محليين كانوا أو دوليين، باتوا هم من يحرك دمى السياسة عندنا، بينما الجمهور الحقيقي لا يُسأل إلا عندما يطلبون تفاعله لرفع نسب المشاهدة.
نحن اليوم محكومون بدبلوماسية بلا حقيبة ولا رسالة: "دبلوماسية الشبكات". وزراء يرسلون بوساطة مقالات مصغّرة، رؤساء يديرون سياسة من وراء شاشات الهواتف والحواسيب، وقادة أحزاب تُقاس قوتهم بعدد اللايكات لا بعدد القواعد. هكذا تحوّل العمق الجماهيري إلى "نقرة وشعبية رَشْق" — فن النقر المتأنِّق على مفاصل القرار، فن يحدّد مَن يُعزل ومَن يُعتَلى، بأمر من خفافيش الخوارزميات.
هل يبقى من مفارقة أعظم من أن تُصغي الدولة لصفحات مزيفة أكثر مما تُصغي لشعبها؟ التزييف المنتشر ليس مجرد ظاهرة؛ بل هو أسلوب حكم، و"التزييف الإبداعي" — مصطلح بات من الأدبيات السياسية، وظاهرة تعيد كتابة الواقع وتوزّع الأدوار على مسرحٍ متهالك قد تطيح به تغريدة من الخارج يطلقها أُمعة. لقد ضيع هؤلاء الساسبوكية القدرات الوطنية للتفاوض وفق مباديء قوة الوطن موقعا، مواردا، وشعب الى صالح التفاوض عبر المنصات الرقمية!.
إنها دعوة لمن بقي من العقلاء المتصدين للعمل السياسي أن يتعلّموا لغة الواقع قبل أن يصغوا إلى لغة المنصات. لعلّ الوطن يستعيد قدرته على التفكير خارج دائرة "الترند" والـ"نقر". أما إن استمروا على ما هم عليه، فلن يطول زمن هذه الدولة قبل أن تُقسّم آراء مواطنيها إلى خلايا تُدار بالهاشتاغ، وتُلغى فيها كلمة "سيادة" لصالح كلمة "ريتويت".
في الختام: لا تُركنوا يا شعبنا إلى ساسة يحكمون وفق نبض الصفحات. اطلبوا ساسة يملكون كلمة تُكتب بخط ثابت على ورق الواقع، لا ساسة يكتبون بيد مرتعشة على لوحة مفاتيح تُمليها عليهم خوارزميات الشهرة.






