فوضى أسعار الصرف في العراق: مافيات تسرق المواطن وتهدد الدولة!
- 3 فبراير
- 2 دقيقة قراءة

كتب ضياء ثابت
كما هو الحال في العديد من الملفات الإقتصادية المعقدة في العراق، تشهد سوق العملات—ولا سيما الدولار الأميركي—حالة من الاضطراب المزمن، تعكس فجوة واضحة بين السياسات النقدية المعلنة والواقع العملي في الأسواق. فعلى الرغم من اعتماد البنك المركزي العراقي نظام صرف رسمي موحد، إلا أن هذا السعر يبدو وكأنه يفقد فاعليته بمجرد خروجه من الإطار المؤسسي، ليتحوّل إلى سلسلة من الأسعار المتعددة التي تختلف باختلاف نوع الورقة النقدية وسنة إصدارها وحتى فئتها.
في المشهد اليومي للتعاملات المصرفية، يواجه المواطن مفارقة لافتة مع الدولار، فهو من حيث المبدأ، عملة واحدة ذات قيمة موحدة محليا، غير أن التداول الفعلي يقسمه إلى “قديم” و“حديث”، وإلى فئات مقبولة وأخرى مرفوضة. فالأوراق الصادرة بين عامي 1990 و2008 غالباً ما تُصرف بأسعار أدنى في السوق مقارنة بالإصدارات الأحدث، في حين تُواجَه الفئات الصغيرة—كالخمسين، العشرين والعشرات وحتى الدولار الواحد—برفض واسع، ويُطلق عليها محلياً توصيفات تقلل من قيمتها التداولية( يكات)!.
وتزداد الإشكالية تعقيداً عندما تصرف للمودعين في بعض المصارف الخاصة أوراق نقدية قديمة أو فئات غير مرغوبة في السوق، مع تبرير ذلك بأنها سياسة صادرة عن الجهات النقدية الرسمية. هذه الممارسات، بصرف النظر عن دوافعها، تثير تساؤلات جوهرية حول مستوى التنسيق بين المؤسسات المصرفية والسلطات التنظيمية، وحول مدى وضوح التعليمات الرسمية وآليات مراقبة تنفيذها.
أما في سوق الصرافة المحلية، حيث تتراجع الرقابة الحكومية، فتظهر فجوة أكبر في الأسعار، قد تصل في بعض الأحيان إلى فروقات ملحوظة بين الدولار “القديم” و“الجديد” تصل إلى ماقيمته سبع نمر أو أكثر. هذه الفروقات لا تمثل مجرد تفاصيل تقنية، بل تنعكس مباشرة على القوة الشرائية للأفراد وعلى ثقتهم بالنظام المالي، في وقت يعاني فيه المواطن أصلاً من ضغوط معيشية متزايدة.
إن تعدد أسعار الصرف، واختلاف معايير قبول الأوراق النقدية، وغياب الشفافية في بعض التعاملات المصرفية، كلها عوامل تقوض الاستقرار النقدي وتفتح الباب أمام سلوكيات سوقية غير منضبطة. وفي الاقتصادات السليمة، تُعد وحدة العملة وثبات معايير تداولها من الركائز الأساسية لحماية المدخرات وضمان العدالة في المعاملات، وهو ما يجعل من هذه الظواهر موضع قلق مشروع لدى الرأي العام والخبراء على حد سواء.
وعليه، تبدو الحاجة ملحّة إلى تدخل تنظيمي أكثر صرامة، يضمن توحيد المعايير بين المصارف وشركات الصرافة، ويشدد الرقابة على الأسواق الموازية، ويعزز الشفافية في ما يتعلق بسياسات تسليم النقد وتسعيره. فاستعادة الثقة بالنظام المالي لا تتحقق إلا حين يشعر المواطن بأن حقوقه النقدية مصونة، وأن قواعد السوق تطبّق على الجميع دون استثناء.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بسعر صرف فحسب، بل بمنظومة ثقة كاملة بين الدولة ومواطنيها—ثقة لا يمكن ترسيخها إلا عبر سياسات واضحة، ورقابة فعالة، ومحاسبة حقيقية لكل من يخرج عن إطار القانون.
انتهى.






